بـــــــــــسم اللــــه الرحمــن الرحيــــــــــم
كلمة الدكتور مبروك زيد الخير رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر في الاحتفال الخاّص باليوم العالميّ للغة العربية بمكة المكرّمة يوم 23 نوفمبر 2025
الحمد لله الفاعل لكلّ مفعول، والواصل لكلّ موصول، الذي برزت ضمائر إرادته فتجلت بمعرفته العقول، والصّلاة والسّلام على من مدّت عليه الفصاحة رواقها، وشدّت به البلاغة نطاقها، وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار. وسلّم تسليما، وبعد:
كثيرات هي الملتقيات التي تعقد هنا وهناك في أرجاء العالم الفسيح، لمعالجة قضايا ذات أهمية وحساسيّة، ترتبط بالفكر والمجتمع والأمة، وتشخص الأدواء، وتقترح الدّواء، من أجل الوقاية من الأخطار الزّواحف، والرّياح العواصف، الّتي تهدد كيان الأمّة، وتدبّ في أوصال المجتمع، وتتهادى يمنة ويسرة بالأجيال المرجوّة لبناء المستقبل وتأمينه، ولكن ّهذا الملتقى الرزّين له خصوصيّة وجلالة، باعتبار أنّه يعقد في مكّة الحرام، وفي أرجاء الحرم الشّريف، والحمى الطّاهر المنيف، فكان له من الوقار والتّجلّة، مالا يتاح لمؤتمر آخر في بلاد أخرى، ثمّ هو مخصّص للاحتفاء باللّغة العربيّة التي وسعت كتاب الله لفظا وغاية ّونالت عبر التّاريخ ماتستحقّه من اهتمام وعناية، وهي في عصرنا الموّار، ماتزال ذات أثر معهود، وتأثير مشهود، في الحضارة الغابرة، والتحديات الحاضرة، فنالت احتراما راقيا في منظومة اللّغة العالمية، وكانت وستبقى جديرة بالمواكبة الصّارمة لتطوّر الأمّة، وتزايد أعدادها، واستنامها صهوة العصرنة والتقدم الأكرم، في بلاد العرب والعجم، مّما يتطلّب تضافر الجهود، لضمان الألق والتقدم والخلود.
أيّها الحفل الكريم:
لامندوحة من تقديم آيات العرفان ،وسوانح الشّكران ،للمملكة العربية السعودية الماجدة،التي حملت رمزية الحرميين الشّريفيين وعملت على تأصيل الأصيل ،في نهضة ليس لها مثيل ،وبادرت إلى جمع هذه الحشود العلمية ،للاحتفاء بيوم اللغة العربيّة، ونخصّ بالشكر والتحيّة ،الراعي في هذه البلاد الطاهرة والرعيّة ملكا وشعبا، ونثني بالرابطة المباركة رابطة العالم الإسلامي وأمينها العامّ الموقّر، وأعوانه المتألقين، على ما بادروا به من تنظيم دقيق، لهذا المؤتمر الرّائع الأنيق وقد توافد إليه العلماء والباحثون والأدباء والمفكرون ،من كلّ حدب وصوب ،وزانه من وفد إليه من كلّ الأمم، حيث أنه منعقد في أفياء الحرم .
إننا نلتقي في أرجاء البيت الأطهر، وفي ربوع الحرم الأنور،حيث نستنشق ألق الوحي الّذي أنار البصائر المنطمسة ،وإنتشل الأنفس المنغمسة ،وأشع به من أنوار الهدى إيقانا، ومن وميض الحقّ يقينا وإيمانا، ولا ريب في ذلك فقد نزل القرآن في بيئة منفلتة جاهلية، وفي طباع متأزمة عنجهيّة، فكان للقرآن أثره الطفّري العميق، في تغيير كلّ من كان يأوي إلى البيت العتيق، واستطاع ذلك الوحي الّذي نزل بلسان عربيّ مبين، أن يغيّر الحال، وأن يرسم معالم المآل، وأن ينيرالدّروب، في أحلك الخطوب، فكان التّغيير جذريا على مستوى العقل والقلب واللّسان، وصدق القائل :
هذا يتيم صار كافل أمّة وأبا لبيض العرب والسودان
جمعت حولك يارسول صحابة بعمائم أزهى من التّيجان
تسقى الحضارة في القصور وأنت قد نبّتتها بمضارب العربان
لقد كان أثر الدّين عميقا، وأثر القرآن وثيقا، فأخرج النّاس من ضلالتهم الجاهلية، وعمايتهم الغّوية، وحروبهم الّتي لا تنتهي، إلى منفسح من الحضارة، وبلاغة من العبارة، وتسام للصّدارة، وبلوغ للهدف الشّامخ بجدارة، فكان أن أصّعدت به الأمّة بثبات ووثوق، وأنبرت تمشي بخطى وئيدة، إلى التألق والسّموق، محققّة مسارها المسماح، وتوقها إلى التألق والطّماح، وصارت شامة في جبين الدّهر، بما نبتته من حضارة راقية، وماخلّدته من آثار راسية، ووما أسهمت فيه على مستوى التّرجمة من مختلف اللّغات، ومابنته من حضائر علميّة، ومانسخته من مخطوطات عميقة في مختلف الفنون، ومابرّزته من عقول خدمت المنظومة الحضاريّة العلميّة حينا من الدّهر في مختلف الفنون، وأصبح لأمّة الإسلام بصمة عميقة في تاريخ البشرية، لولا أن نسيت في القرون اللّواحق ماذكّرت به، فأنشغلت فلول الأمّة في مختلف الأصقاع، وفي كلّ الحواضر والبقاع، بما لم يأمر به الله، وتخلّت عن دورها الاستخلافيّ الملزم، فتلاحقت عليها الهزائم، وتقصدّتها الظّروّف بصغائر وعظائم من الأمور، فسار بها الزمن إلى غير وجهة، وعلى إثره حلت بها الرزايا، وأحاطت بها البلايا، ومالبثت أن أحصيت بلادها عددا وتفرّقت بددا، وداهمها الغزو العسكريّ الفتّاك، فسرى الضّعف في الحنايا، وتسلل إلى الضّمائر والطّوايا، فمسخ الزّمان الصّداح ومشى الأسى بين العروق كمبضع الجراح، وعانت الأمة الإسلامية مكائد الظلم والسطو، ومحاولات السيطرة والنزو، وفتن الإفك والعزو، فانفرط عقدها، وتفرّقت شذر مذر، وأضاعت الأمجاد الغوالي، في أيامها الخوالي، وتخلت عن الأسباب، فتعثرت في الغلاب.
لكنّها بما أفاء الله عليها من عناية، وماأحاطها به من رعاية، لم يتزحزح لها ثبات، ولا خبت لها شباة، بل غالبت العواصف، وتحدت القواصف، فما انكسرت للحروب الصّليبية المتوالية، ولا للهجمات التّتارية العاتية، ولا للفتن المداهمة الدّاجية، ولالتسابق الفلول الغازية الغاوية، بل إنّ الأمّة الإسلاميّة كالمارد الجبّار، تأتي عليه الأقدار بالأخطار، فتميل به الكفّة، ويتهادى بها الزّمن، في أكبر المحن، ولكنه ما يفتأ أن تزول عنه الغشاوة، وتنقشع عنه سحب الأخطار، فيقوم سامقا لايبالي بما لحقه من خطر، ولا ما أصابه من ضرر، وإن اللّغة جزء من البناء المشمخرّ الّذي به تكون اليقظة، وعليه تعتمد النهّضة .
وإنّ اللّسان العربي الصّميم ،باق ما بقي القرآن الكريم شامخا عليا،وساميا نقيا، وقد أفضت جهود الأمّة، ومحاولات علمائها الأفذاذ اللّذين نظروا للغة بيقين لا تذروه الريّاح، وصنفوا في أصولها وفروعها ما لا يسلمنا إلى التماهي والانزياح، وقد أبدعوا في النثر الأصيل، والنّظم الأثيل، ماتسامت به اللغة بإبداع فينان، وروعة وعطاء وبيان، وقد سما عطاء إفصاح الوارف، فأبان عن عبقرية العقل المسلم الّذي تشرّب القرآن في أبهى حال، وأجمل مآل، وفي هذا المضمار يقول الفيروزآبادي في القاموس المحيط :”وما أجدر هذا اللسان، وهو حبيب النّفس، وعشيق الطبّع، وسمير ضمير الجمع، وقد وقف على ثنيات الوداع، وهمّ قبليّ مزنه بالإقلاع، بأن يعتنق ضمّا والتزاما، كالأحبة لدى التوديع، ويكرم بنقل الخطوات على آثاره حالة التشييع”، وسرّ ذلك الألق الوهّاج ما أفاضه عليه القرآن من روعة وحكمة وبيان.
وقد أفاد الزّمخشريّ والشّاطبيّ والزّركشيّ وغيرهم، بأن سرّ خلود العربيّة مرتبط بمدد سخيّ من القرآن السّنيّ، ولا يقوى على ذلك إلاّمن قوي نظره، وأوغل في القرآن تدبّره، وامتد في أفانين البلاغة باعه، ورقّت في ميادين اللّغة والأدب طباعه، فأنبرى يختطّ نهج البيان، ويرتاد المعاني، ويعالج المفاهيم، ويتذوّق بحسّ جماليّ مجالات الأدب بذوق وتوق ورغب .
ولا ريب أنّ التّراث اللّغويّ المنشور والمكنون، قد أسفر عمّا تمخضت عنه قرائح العلماء الأماثل، وفرسان الإبداع الفطاحل، الذين ملؤوا الدّنيا وشغلوا النّاس، بما في العربية من بيان عجيب، وذوق رحيب، وقد أخذت من كلّ فنّ جماليّ بنصيب. ممّا أبقى العربيّة في ثوبها القشيب، وحافظ على بيانها الخصيب فأنمازت به البدائع واستبانت به الروّائع، وجاء الموروث محيطا بمفردات اللّغة وتراكيبها، تمحيصا وتدقيقا، وتحصيلا وتحقيقا، ولم تكن العربية عاجزة عن العطاء، ولا متأخّرة عن الإيراق، ولا عاجزة عن الاشتقاق، بل إنّها أمتعت الأذواق الراقية، بالأساليب البلاغيّة الصّافية، فكان الشّعر الإبداعي الرقيق، والنّثر التّرسليّ الأنيق، والتّعبير الدّلالي الدّقيق، والتّناول الفكري العميق، وقد استوعبت العلوم الكثيرة، والنظريات الكبيرة، في الجبر والهندسة والطب والفلك والطبيعة وفي علوم الآلة وأفانين اللغة والبيان، فما تأخّرت عن تعبير ولا تعثرت في إبانة، بل كانت مستوعبة للعلوم، مستوفية لأفانين الفهوم في العلوم العقليّة والنقليّة، وفي الدّراسات النّظرية والتّطبيقية على حدّ سواء.
وقد أكدّت الدّراسات الموثّقة، بأنّ العربيّة في اللّغات القلائل المؤهّلة للبقاء والتّطوّر، بما تحمله في بنيتها الصّوتية، وخصائصها الإشتقاقيّة، وخصوبتها المعجميّة، فهي بلامين لغة الفكر، ولغة العلم، ولغة الدّين، ولغة الواقع، من حيث زخم الألفاظ، وتوليد المعاني، وغزارة المباني، وتنويع الدّلالات، وكثرة الواردات، ممّا يسهم في تفتيق المواهب، وتحريك الهمم، ودفع البحوث قدما نحو الفاعلية والنجاعة، بما يضمن للعربية صفاءها ونقاءها، ويحقق لها وظيفتها ومكانتها، وهو مطمع جليل، ومرتقى أصيل، ترنو له العصبة أولو القوّة، من أفذاذ المجامع اللّغوية في مختلف الأصقاع والبقاع، فيكون الاحتياج أكيدا لتسطير برامج ألمعية، واقتراح خطط أحوذيّة، تضطلع بترقية اللّسان، وتأهيل العقول للتّبيان، والمواهب للبيان، حتّى يؤتي أكله، ويتمخض عن زبد، فيؤسّس للملكة اللّغوية، ويحصّن اللّسان من اللّحن الزّريّ، ويجعل اللّغة العربيّة مطمح الأجيال، وغاية الآمال ويمكّن للأمّة أن تعتزّبها وتزهو، وأن تتسابق لتحصيلها وتعلو، فتكون مستساغة في الألسن، معهودة في الشّفاه والأفواه، لتبين عن موج من العطاء زخّار، ومدد من الإبداع موّار، وبذلك تختط ّ للسان العربيّ الفصيح، مستقبلا واعدا رضيا، يستثمر التراث في تمحيص وتدقيق، وينفتح على العصر في منهجية وتنسيق، ويعيد للأمّة مجد لغتها العريق، ويقحم الأجيال في بناء صرح اللّغة الشّامخ، ومستقبلها الباذخّ لتنزاح الغمة، وتنداح الأزمة، ويعرف مستقبل اللّغة مابه تعود الأمجاد، ويتحقّق المراد،خصوصا ونحن في زمان تتماهى فيها الخصوصيات، وتضرب العولمة الصارخة في عمق الهويات، وتريد للأمم أن يعلوها الوهن، في لزّها في قرن، فلا تبقى لها هوية ولا إنيّة، ولا تميزها أثالة ولا أصالة، ولا تحفظ لحاضرها وجودا، ولا لمستقبلها عهودا،بل تأتي أمواج الغزو الّثقافي والألسنيّ العاتية، لتعمق الأثر، فتضربها على حين غرّة ضربة لا تبقي ولاتذر.
إنّ اللّسان هو الأمان للحاضر، والضّمان للقابل، وبه تكون النّهضة، ويتحقّق الإصلاح، وتبنى الحضارة، وتؤصل الأثارة، ويقدم الجيل على منهج من التأصيل الأصيل، وصدق الجواهريّ في تعبيره عن التوق إلى جيل نافع، ونشىء رافع، ينهض بالأمجاد، ويحقق المطامع بعزيمة راسخة، وقوة في العلم والعمل،وتميز في النخوة والخلق، لإعادة بعث الأمّة من سباتها، وتحقيق تألق يومها، ونصاعة غدها ،فيقول:
سينهض من صميم اليأس جيلٌ شديدُ البأس جبّارٌ عنيدُ
يقايضُ ما يكونُ لما يُرَجّى ويعطفُ مايُرادُ لما يُريدُ
وإنّنا في الأخير لنرفع آيات الامتنان، وأسمى عبارات الشكران لملك البلاد الأغرّ وولي عهده الأبرّ، وللسّعودية العظيمة، على ما أولتنا من ضيافة كريمة، ونسأل الله أن يحيطها بألطافه، وأن يحفّها بأمنه وأمانه.
والله الموفّق للسّداد، وعليه وحده الاتكال والإعتماد .